الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف للمنشئ 13

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

كم جريت في ميدان الأدب طلق العنان ؟ وعبّرت بمحاسنك في وجوه فضلاء الزمان ؟ وأتيت بالأوابد الفرائد والغرر والقلائد ، والملح الشوارد والمقطعات والقصائد ، طالما قلت ففخرت الأسماع على النواظر ، وكم كتبت فما نوّار الخمائل النواجر « 1 » . كتبت فلو لا أن هذا محلل وذاك حرام * فشتّ خطّك بالسّحر فو اللّه ما أدرى أزهر خميلة * بطرسك « 2 » أم درّ يلوح على بخر

--> ( 1 ) لما أن بدأ بينهم الحديث سردت له عن بعض ملائمها له بأنه قبل عيّر العشاق بالشق فها هو قد وقع فيه ومن غيّر بشيء أخيه يوشك يقع فيه ، فها أنت قد وقعت فيما به قد لمت . فلما أن بادرته بذلك علم أنها لأخباره متابعه ولأموره عارفة . ولأسراره كاشفة ، فتجاهل كلامها وكأنه غير موجه إليه بل هو إلى غيره يراد وأنه ليس به المقصود ليتجالد أمامها ولا يظهر الخوار ويبدي من نفسه الضعف والعوار . فبادرته بذكائها المطبوع في استهجان واستغفار مما جعل عقله كأنه من رأسه قد طار من شدة الاستغراب والاستنكار من هذه القدرة على المعرفة بالأسرار ودقة الأخبار ، حيث قالت اللهم غفرا ، ألست الذي سارت في الأفاق أخباره ؟ وتبعتها بالأسئلة التي لا جواب لها إلا بالإقرار والتي لا يجدي معها الهروب ولا الإنكار ، غير أنها كانت في كل ما تقول صادقة مهذبة بديعة أريبة أديبة كادت تفوق على محدثها ببديع عبارتها وجزالة حديثها وحسن منطقها وبلاغة حجتها فقد أسكته الجواب فحار في الرد فضلا عن النطق بالإسهاب ، فمن هذه التي أمامه وقد غابت عنه طيلة أيامه وشبابه كيف بها تسرد عليه حاله وتحضر بين يديه حقيقته وخياله ، وتشعره بأنه في الحياة ذاهل عن مثلها وغافل وقد أخذته صغائر المشاغل عن عزائم الكرائم وعن الدرر النظائم والتحف النفائس فكم أثنت عليه ورفعته إلّا أنها في الحقيقة وضعته بمعرفتها بحاله وجهله بحالها ، وانشغاله عن أمثالها . فيالها من حورية بديعة دهرية فلا هي لبنات جنسها تنسب ، ولا لأهل الهوى تطلب بل هي درة مكنونة وجوهرة مصونة في علب الزمان مدفونة بادية للفطنات خافية عن الجهلان ، لقد ساقها القدر إليه وأوقفها بين يديه فعليه أن يحسن اقتناص الصيد الذي حطّ عليه وسلّم قياده إليه فإما أن يطير فلا يعود ، وإما أن يحسن وثاقه بالقود غير أنه طائر متمرد لا تصلح معه قيود الحبال والشباك قياس الحبال يمكن أن يصيده وأيها يصلح لقيده ، فما أراه سوى قيد القلوب والنواظر التي توقع كل صائل وشاطر فليسرع بطرحه عليه ويرسل شعاع عينه إليها ، فإن أصاب فقد أفلح ثم لننتظر لننظر كيف يفعل ؟ ( 2 ) الطرس : هو الصحيفة . قال ابن منظور في لسان العرب في مادة طرس : الطّرس : الصحيفة . ويقال : هي التي محيت ثم كتبت ، وكذلك الطّلس . وقال ابن سيدة : الطرس : هو الكتاب الذي محي ثم كتب ، والجمع أطراس وطروس ، والصاد لغة . وقال الليث : الطرس الكتاب الذي الممحو الذي يستطاع أن تعاد عليه الكتابة ، وفعلك به التطريس . وطرّسه : أفسده . . ويقال : طرّست الصحيفة إذا أنعمت محوها ، وطرس الكتاب : سوّده .